كان من المفترض، من الناحية المنطقية، أن يتراجع الجنيه بصورة أكثر حدة بعد أحدث بيانات سوق العمل في المملكة المتحدة، لكنه لم يفعل. هناك أسباب لذلك، وهي تشير أيضًا إلى ما قد يحدث بعد ذلك.
وفقًا لـ Office for National Statistics يشهد سوق العمل في المملكة المتحدة حالة من التباطؤ. فقد ارتفعت البطالة إلى 5.0% خلال فترة يناير–مارس 2026، متجاوزة توقعات السوق، صعودًا من 4.9% في فبراير. وبالأرقام المطلقة، انخفض عدد العاطلين عن العمل بمقدار 77 ألفًا إلى 1.806 مليون — وهو ما يعكس أساسًا تراجعًا في البطالة قصيرة الأجل — لكن على أساس سنوي ارتفع عدد العاطلين في جميع فترات التعطل بمقدار 192 ألفًا.
للمقارنة، كانت نسبة البطالة عند مستوى 4.4% في بداية عام 2025. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت بمقدار 0.6 نقطة مئوية — وهي وتيرة بطيئة ولكنها ثابتة من تباطؤ سوق العمل، وقد اشتدت منذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير 2026.
بلغ نمو الأجور العادية السنوي لفترة يناير–مارس 2026 نسبة 3.4% باستثناء العلاوات و4.1% بما في ذلك العلاوات. وهذه إشارة بالغة الأهمية. فنمو الأجور العادية عند 3.4% هو الأضعف منذ أواخر عام 2020. ولا تزال أجور القطاع العام تتفوق على أجور القطاع الخاص؛ إذ ارتفعت أجور القطاع العام بنحو 5%، بينما زادت أجور القطاع الخاص بنسبة 3.2%.
ويمثل ذلك نقطة حاسمة بالنسبة لـ Bank of England. فمع بلوغ تضخم أسعار المستهلكين (CPI) 3.8% على أساس سنوي، يعني نمو الأجور الاسمية بنسبة 3.4% تراجعًا في الدخول الحقيقية. وهذا الفارق هو محور القلق في سياسة البنك: فالتضخم يرتفع بينما تتخلف الأجور عنه، بما يهدد بحدوث انكماش حاد في الطلب الاستهلاكي.
ومع ذلك، كان تراجع الجنيه الإسترليني محدودًا وليس حادًا. ويُعزى ذلك إلى إدراك السوق أن بيانات سوق العمل ليست سوى عامل واحد، وليست العامل الحاسم. فالمحرّك الرئيسي لزوج الجنيه الإسترليني/الدولار الأمريكي (GBP/USD) لا يزال أوضاع مضيق هرمز والتطورات في الشرق الأوسط.

في جوهر الأمر، تُعَدّ المملكة المتحدة مستورِدًا صافيًا للطاقة، وهو ما يشكّل عامل ضغط على الجنيه الإسترليني؛ ففي شهر مارس، مباشرة بعد اندلاع الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، تراجع الجنيه الإسترليني بنسبة 1.9 في المئة. وبعد ذلك، أدّت الآمال في التوصّل إلى حل دبلوماسي إلى انعكاس في الاتجاه، ودَفعت زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي (GBP/USD) للارتفاع مجددًا فوق مستوى 1.3500. هذا يعكس هرمية السوق اليوم: بيانات سوق العمل ليست سوى ضوضاء في الخلفية، بينما تشكّل الجغرافيا السياسية الإشارة الرئيسية. وقد تأكّد ذلك أمس عندما أعلن الرئيس Trump إلغاء ضربة عسكرية كانت مخطَّطة ضد إيران، عقب مكالمات من قادة السعودية وقطر والإمارات، ما أدى إلى ارتفاع حاد في الإقبال على الأصول ذات المخاطر.
خلاصة الأمر واضحة: طالما ظل مضيق هرمز مغلقًا، ستواصل اقتصاد المملكة المتحدة التعرّض للصدمات؛ إذ ستتسارع وتيرة التضخم في الوقت الذي تضغط فيه على الطلب الاستهلاكي والنشاط التجاري؛ وفوق ذلك، بدأ سوق العمل الآن يُظهِر علامات توتر.
روابط سريعة